الثلاثاء 22 شهر ربيع الأول 1441هـ الموافق 19 نوفمبر 2019م

المقال

Separator
حكم بيع العينة
3510 زائر
15-06-2012
أ.د. أحمد بن محمد الخليل

حكم بيع العينة



الحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :

أما بعد:

فإن من المسائل الفقهية التي يكثر السؤال عنها وتمس الحاجة لبيانها حكم " بيع العينة " ، وقد تكلمت عن هذه المسألة في شرحي للزاد ورأيت أن أفردها بالنشر على موقعي، وقد أسندت تنسيقها للمشرف العلمي على الموقع ، فقام بتوثيق النقولات وتخريج الأحاديث ، كما أنه وقف على بعض النقولات المفيدة فوضعها بين قوسين إتماما للفائدة .

وقد اشتمل البحث على النقاط التالية :

أولاً / تعريف العينة اصطلاحا .

ثانياً / صورة مسألة العينة .

ثالثاً / حكم العينة .

أولاً / تعريف العينة اصطلاحا :

العينة اصطلاحا : أن يشْتَرى شَيْئاً نَقْداً بِدُونِ مَا بَاعَ بهِ نَسِيئَةِ .

وقولنا : ( أن يشترى شيئاً نقداً) بدأنا في التعريف بالعقد الثاني مع أن المسألة ستبدأ من العقد الأول وهو البيع المؤجل لكن بدأنا بالبيع الثاني ؛ لأن البيع الثاني هو محل الخلاف،

أما أن يبيع الإنسان شيئاً مؤجلاً فهذا لا إشكال فيه (ونقل شيخ الإسلام الاتفاق على جوازه ). [1]

ثانيا : صورة مسألة العينة:

الصورة المعروفة المشهورة للعينة أن يأتي المشتري (طالب القرض) إلى البائع (معطي القرض) فيشتري منه سلعة بثمن مؤجل ، فإذا ملك السلعة باعها له بثمن حال أقل منه.

وقد كان بعض الناس - إلى زمن قريب - يفعل نفس هذه الصورة ، يبقى في دكانه ، وعنده أرز ، أو سكر ، أو شاي ، أو ما أشبه هذه السلع ، ثم يأتي الشخص إليه ويشتري منه 50 كيس أرز بثمن مؤجل ، ثم يعود فيبيع له بثمن حال أقل ، فيثبت في ذمة المشتري (طالب القرض) ثمن 100 ألف ، ويبيع بـ 80 ألفا .

وأحيانا يقومون بنقل الرز من خارج المحل إلى الشارع ؛ لأنه اشتراه هذا الشخص ، فإذا ملكه واشتراه باعه له في نفس الساعة ، ثم نقلوه إلى داخل المحل ، ولهذا السلف كانوا يسمون هذا ( اللعب ) ، ويقولون : يتلاعبون مع الله ، أشد من تلاعبهم مع الصبيان .

ومثاله أيضا ما يفعله بعض الناس عندما يشتري السيارة من المعرض ، ثم يخرج السيارة من المعرض بثمن مؤجل ، ثم يبيعها لصاحب المحل بثمن حال أقل ، ويعود فيدخل السيارة إلى المعرض .

وهذه الصور جميعا هي صورة العينة التي حرمها الشرع ، ونزع البركة منها .

ثالثا : حكم العينة :

ذهب الجماهير من أهل العلم من السلف والخلف : إلى تحريم العينة وأنها من العقود الربوية ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد . [2] . (ورجحه جماعة من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وذكر أن هذا العقد مع التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنها حيلة،وإن لم يتواطآ فيبطل البيع الثاني سدا للذريعة .[3] ، ورجحه ابن القيم وأطال النفس في البحث فيها .) [4]

وهذا البيع عند هؤلاء أقبح من الربا الصريح؛ لأن قاعدة شيخ الإسلام أن الحيل لا تزيد العقود المحرمة إلا تحريماً وإيغالاً في معصية الله.

أدلة الجمهور :

استدل الجمهور على هذا الحكم بأدلة كثيرة منها :

1- حديث ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [5]

وهذا الحديث له طرق كثيرة لا يخلو شيء منها عن ضعف لكن مجموع الطرق في مثل هذا الحديث تنقله من الضعف إلى أن يكون حسناً لذاته أو صحيحاً لغيره يصلح للاحتجاج به، لاسيما وأنه يؤيد بالمقاصد العامة للشرع. (وقد صححه ابن القطان .[6] وابن تيمية . [7] ، وابن القيم ). [8]

وفي الحقيقة : العبارة الأخيرة مقلقة ، محزنة ؛ لأنه يقول [حتى ترجعوا إلى دينكم] فسمى انتهاك هذه الثلاثة أمور تركا للدين .

2- ما رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (8 / 184) : قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ امْرَأَتِهِ، أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فِي نِسْوَةٍ فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ، فَبِعْتُهَا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِ مِائَةٍ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهَا مِنْهُ بِسِتِّ مِائَةٍ، فَنَقَدْتُهُ السِتَّمِائَةٍ، وَكَتَبْتُ عَلَيْهِ ثَمَانِ مِائَةٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: " بِئْسَ وَاللَّهِ مَا اشْتَرَيْتِ، وَبِئْسَ وَاللَّهِ مَا اشْتَرَيْ، أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ "، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ إِنْ أَخَذْتُ رَأْسَ مَالِي وَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْفَضْلَ؟ قَالَتْ: " {مَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} الْآيَةُ، أَوْ قَالَتْ: {إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَموَالِكُمْ} الْآيَةُ " وهذا الأثر إسناده صحيح إن شاء الله وممن صححه ابن عبد الهادي .[9] (و ابن القيم وقال :

" رواه الإمام أحمد وعمل به، وهذا حديث فيه شعبة، وإذا كان شعبة في حديث فاشدد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله فقد استوثق لدينه " .[10]

قال ابن قدامة :

" والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه، إلا بتوقيف سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجرى مجرى روايتها ذلك عنه" . [11]

وقال ابن عبد الهادي :

" ولولا أنَّ عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تستريب فيه أنَّ هذا محرمٌ لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد " . [12]

وقال شيخ الإسلام :

" ومعلوم أن هذا قطع بالتحريم وتغليظ له، ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجرئ أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد "[13].

وقال ابن القيم : " ولولا أن عند أم المؤمنين - رضي الله عنها - علما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تستريب فيه ولا تشك بتحريم مسألة العينة لما أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها " ). [14]

3- (ثَبَتَ عن بن عَبَّاس أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُل بَاعَ مِنْ رجل حريرة بمائة ثم اشترها بِخَمْسِينَ فَقَالَ دَرَاهِم بِدَرَاهِم مُتَفَاضِلَة دَخَلَتْ بَيْنهَا حَرِيرَة " ).[15]

4- أن هذا البيع من الحيل ، ومقصود المشتري والبائع أن يثبت في ذمة المقترض أكثر مما أخذ ، ونصوص الشرع متكاثرة في تحريم الحيلة وذم فاعلها ، (بل قال ابن القيم " ولهذا الأصل وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه أكثر من مائة دليل " [16]وقد استوفى معظمها شيخ الإسلام في كتابه بيان الدليل على بطلان التحليل ).

القول الثاني: أن عقد العينة جائز، وهو مذهب الإمام الشافعي .[17]

واستدل على هذا :

- بأن العقد الأول عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان، والعقد الثاني: كذلك عقد صحيح مستوفي الشروط والأركان فهذه المعاملة من حيث الظاهر جائزة، وليس لنا أن نتدخل في مقاصد الناس من البيع والشراء.

و هذا الأصل للشافعي - رحمه الله - وهو: أنه ينظر لظواهر العقود ولا ينظر لحقيقة العقد وبناء على ذلك يصحح - رحمه الله - ما لا يصححه الجمهور من العقود ومنها: عقد العينة .

الترجيح :

الراجح مذهب الجمهور ؛ لأن عقد العينة واضح الحيلة على الربا وهو من أكل أموال الناس بالباطل وهو أقبح من الربا الصريح الذي يأخذ زيادة صريحة منصوص عليها في العقد؛ لأن هذا لا يخادع الله والمتعاملون بالعينة يخادعون الله ، (وقد قَالَ أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ : يُخَادِعُونَ اللَّه كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَان لَوْ أَتَوْا الْأَمْر عَلَى وَجْهه كَانَ أَسْهَل ) .



[1] ( القواعد النورانية (ص: 176) ) .

[2] ينظر : شرح فتح القدير (6/68)، القوانين الفقهية (ص179) ، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (3/601)

[3] ينظر مجموع الفتاوى (29 / 30) .

[4] ينظر : تهذيب السنن (9 / 241) ) .

[5] أخرجه أحمد في المسند ط الرسالة (8 / 440 ، 9 / 51، 52) و أبو داود ( 3462) واللفظ له : .

[6] ينظر بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (5 / 295) .

[7] ينظر: مجموع الفتاوى (29 / 30) والفتاوى الكبرى (6 / 45)

[8] ينظر : إعلام الموقعين عن رب العالمين (3 / 131) .

[9] تنقيح التحقيق (4 / 69) .

[10] ينظر : إعلام الموقعين عن رب العالمين (3 / 132) .

[11] المغني (4 / 132) .

[12] تنقيح التحقيق (4 / 70) .

[13] الفتاوى الكبرى (6 / 47، 48) .

[14] ( إعلام الموقعين عن رب العالمين (3 / 133)

[15] ( ينظر : تهذيب السنن (9 / 241)

[16] تهذيب السنن (9 / 245) .

[17] ( ينظر : الأم للشافعي (3 / 38)) .

   طباعة 
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
حكم , العينة , بيع

روابط ذات صلة

Separator
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي

جديد المقالات

Separator

مؤلفات

Separator

البحث

Separator

مذكرات

Separator

التغريدات

Separator